عبد الملك الجويني
17
نهاية المطلب في دراية المذهب
الإطلاق ، ولكن كل ما يَغْلِب على القلب غفلتُه فيه ، فشهادته مردودة فيه ، وذلك الشهادة المرسلة ، فأما الشهادة المفصّلة إذا امتحناها ، - والرجل عدل - فلم تضطرب ، فهي مقبولة ؛ إذ ليست الغفلة معنىً يقتضي الرد عموماً بخلاف الفسق . وهذا يناظر قول أئمة الحديث في إسماعيل بن عياش ، فإنهم يقبلون ما يرويه عن الشاميين ، ويتوقفون فيما يرويه عن غيرهم ، لأنهم رأوا حفظه ثابتاً في رواياته عن الشاميين ، ولعله كان أثبتها في عنفوان شبابه ، فثبت حفظه . وكل ما يتعلق بتحقيق الثقة ، فتستوي فيه الرواية والشهادة ، ويترتب على هذا الأصل أمر ذكرناه قبلُ مرسلاً ، ونحن نفصله الآن . 12131 - قال الشافعي : " القاضي إذا رابه أمر من الشهود فرّق مجالسهم ، وسألهم عن الزمان والمكان . . . إلى آخره " . ونحن نقول : إذا استشعر القاضي منهم غفلة ، ورابه لذلك أمر ، فإنه يطلب التفصيل لما أشرنا إليه في شهادة المغفل ، فلو أَبَوْا أن ( 1 ) يذكروا التفصيل ، وكان لقنهم ملقن الامتناع عن التفصيل ، فالقاضي إن دامت ريبته ، لم يقض بشهادتهم ؛ بناء على ما ذكرناه . وإن لم يكن بالشهود غفلة ، فشهدوا ، وظن القاضي بهم غفلة ؛ فإذا استفصلهم ، ولم يفصّلوا ، فعلى القاضي أن يبحث عن حالهم ، فإذا تبين أنهم ليسوا مغفلين ، قضى بشهادتهم المطلقة ؛ ومعظم شهادات العوام يشوبها جهل وغرّة ، وإن كانوا عدولاً ، فيتعين الاستفصال ، كما ذكرنا . وليس الاستفصال مقصوداً في نفسه ، وإنما الغرض تبين [ تثبتهم ] ( 2 ) في الشهادة التي أقاموها ، وهذا كشف سرٍّ يغتبط الفقيه به .
--> ( 1 ) هنا سقطت ورقة كاملة من الأصل ، ووضع مكانها ورقة أخرى مقحمة لا علاقة لها بالسياق ، بل وضعت مقلوبة ، وبالبحث وجدناها أقحمت في مكان لاحق ، لتحمل رقم 176 شمال ، 177 يمين ، وهى مقلوبة أيضاً . ( 2 ) كذا قرأنا بصعوبة بالغة على ضوء ما بقي من ظلال الحروف .